الجصاص
562
أحكام القرآن
كان مستحقا بعقد النكاح وحكم الوطء الثاني كالأول في أنه مستحق بسبب واحد ثم حرمه بالظهار ، جاز أن يكون الإقدام على استباحته عودا لما حرم فكان هذا المعنى مطابقا للفظ . فإن قيل : إن كانت الاستباحة هي الموجبة للكفارة فليس يخلو ذلك من أن يكون العزيمة على الاستباحة وعلى الإقدام على الوطء أو إيقاع الوطء ، فإن كان المراد الأول فهذا يلزمك إيجاب الكفارة بنفس العزيمة قبل الوطء كما قال مالك والحسن بن صالح ، وإن كان المراد إيقاع الوطء فواجب أن لا تلزمه الكفارة إلا بعد الوطء ، وهذا خلاف الآية وليس هو قولك أيضا . قيل له : المعنى في ذلك هو ما قد بينا من الإقدام على استباحة الوطء ، فقيل له : إذا أردت الوطء وعدت لاستباحة ما حرمته فلا تطأ حتى تكفر ، لا أن الكفارة واجبة ولكنها شرط في رفع التحريم ، كقوله تعالى : ( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ) [ النحل : 98 ] يعني فقدم الاستعاذة قبل القراءة ، وقوله : ( إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ) [ المائدة : 6 ] والمعنى : إذا أردتم القيام وأنتم محدثون فقدموا الغسل ، وقوله : ( إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ) [ المجادلة : 12 ] ، وكقوله ( إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ) [ الطلاق ، 1 ] والمعنى : إذا أردتم ذلك . قال أبو بكر : قد ثبت بما قدمنا أن الظهار لا يوجب كفارة وإنما يوجب تحريم الوطء ولا يرتفع إلا بالكفارة ، فإذا لم يرد وطأها فلا كفارة عليه ، وإن ماتت أو عاشت فلا شيء عليه ، إذ كان حكم الظهار إيجاب التحريم فقط موقتا بأداء الكفارة ، وأنه متى لم يكفر فالوطء محظور عليه فإن وطئ سقط الظهار والكفارة ، وذلك لأنه علق حكم الظهار وما أوجب به من الكفارة بأدائها قبل الوطء لقوله : ( من قبل أن يتماسا ) ، فمتى وقع المسيس فقد فات الشرط فلا تجب الكفارة بالآية ، لأن كل فرض محصور بوقت أو معلق على شرط فإنه متى فات الوقت وعدم الشرط لم يجب باللفظ الأول واحتيج إلى دلالة أخرى في إيجاب مثله في الوقت الثاني . فهذا حكم الظهار إذا وقع المسيس قبل التكفير ، إلا أنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا ظاهر من امرأته فوطئها قبل التكفير ثم سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : " استغفر الله ولا تعد حتى تكفر " فصار التحريم الذي بعد الوطء واجبا بالسنة . وقد اختلف السلف فيمن وطئ ما الذي يجب عليه من الكفارة بعده ، فقال الحسن وجابر بن زيد وإبراهيم وابن المسيب : " ليس عليه إلا كفارة واحدة " ، وكذلك قول مجاهد وطاوس وابن سيرين في آخرين . وقد روي عن عمرو بن العاص وقبيصة بن ذؤيب